الراغب الأصفهاني
744
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
لأنها لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة . قال : بلى أصغر منها من عظمها . ثلاث يخبلن العقل : الخصومة الدائمة ، والدين الفادح والمرأة السليطة « 1 » . وقال أبو يوسف : تعلّموا كل علم إلا النجوم ، فإنه يكثر الشؤم ، والكيمياء فإنه يورث الإفلاس ، والجدال في الدين فإنه يورث الزندقة . من هانت عليه نفسه فلا تأمنن شرّه . قال حكيم : من الذي بلغ جسما فلم يبطر واتبع الهوى فلم يعطب ، وجاور النساء فلم يفتتن بهنّ ، وطلب إلى اللئام فلم يهن ، وواصل الأشرار فلم يندم ، وصحب السلطان فدامت سلامته ؟ قيل : جماع خير الدنيا والآخرة في ثلاث : أجر وشكر وذكر . فالأجر ثواب اللّه الذي لا يكون أجمع منه نفعا وأدوم ولا أكرم منزلة ، والذكر فوق منزلة الشكر ، ودون منزلة الأجر لأن الأجر أشد اشتمالا على جميع الخلق . حكاية يقال إن المنصور أشخص « 2 » رجلا من الكوفة سعى به أن عنده أموالا لبني أمية فلما مثل « 3 » بين يدي المنصور ، قال : أيها الرجل أخرج لنا من ودائع بني أمية التي عندك ؟ فقال : أوراثهم أنت يا أمير المؤمنين أم وصيّهم ؟ قال : لا . قال : فلم أدفع أموالهم إليك ؟ قال : إن بني أمية خانوا المسلمين وأنا القائم بأمرهم . قال : عليك بيّنة أن هذا المال من تلك الخيانات ، فقد كان للقوم أموال من وجوه شتّى فإن ثبتّ على حكم خرجت منه . فأطرق ساعة ثم قال : يا ربيع خلّ الرجل . فقال الرجل : ما عندي مال ولكن رأيت الاحتجاج أقرب إلى الخلاص فإن رأى أمير المؤمنين أن يحضر خصمي فلعله يفلجني بالحجة ، فإن في مالي سعة فبعث المنصور إلى الساعي فأحضره فقال : يا أمير المؤمنين إن هذا الساعي عبد لي أبق « 4 » وقد سرق لي مالا فهدّده فاعترف . العجب العجب ما عدم فيه العادة . ولذلك قيل الدهر أبو العجب لإتيانه بما لم تجر عادة بمشاهدته . وقيل : للنظام أي شيء أعجب ؟ قال : الروح وقيل لأبي عصل فقال : السمّ . وقيل : لسلم الخلال . فقال : النار . وقيل لأبي شمر فقال : الذكر والنسيان . وقيل لبطليموس فقال : تدبير الفلك . قال ابن الرومي : وعجيب الزمان غير عجيب
--> ( 1 ) المرأة السليطة : الطويلة اللسان . ( 2 ) أشخص رجلا : بعث به . ( 3 ) مثل بين يديه : حضر . ( 4 ) العبد الآبق : الخارج عن الطاعة .